أبي طالب المكي
207
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
معاوية سمّيت سنّة الجماعة . وقال له رجل من الشيعة : يا مذلّ المؤمنين . فقال : بل أنا معز المؤمنين . سمعت أبي عليه السلام يقول : لا تكرهوا إمارة معاوية فإنه سيلي هذا الأمر بعدي ، وإن فقدتموه رأيتم السيوف تبدر عن كواهلها كأنها الحنظل . فليعتقد بقلبه من رضي الصحابة بإمامته . وأجمعوا على خلافته واتفق الأئمة من أهل الشورى على تقدمته على حديث ابن عمر في التفضيل . قال : كنا نقول على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبو بكر ثم عمر ثم عثمان . فيبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينكر وعلى حديث سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا . فهؤلاء الأربعة خلفاء النبوة ، وهم أئمة الأئمة من العشرة ، وعيون أهل الهجرة والنصرة ، وخيار الخيار من الأصحاب . كما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّ الله عزّ وجلّ اختار أصحابي على العالمين ، واختار من أصحابي أربعة فجعلهم خير أصحابي . وفي كل أصحابي خير ، واختار أمتي على الأمم ، واختار من أمتي أربعة قرن ، فكل قرن سبعون سنة فإنّا نحن قوم متبعون نقفو الأثر غير مبتدعين بالرأي والمعقول نرد به الخبر ، إذ لا مدخل للقياس والرأي في التفضيل ، كما لا مدخل لهما في الصفات وأصول العبادات ، وإنما يؤخذ التفضيل توقيفا وتسليما ومن طريق الإجماع والاتباع خشية الشذوذ والابتداع لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي عضّوا عليها بالنواجذ ، ومن شذ ففي النار . وقال تعالى في تصديق ذلك : * ( ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ ) * [ النساء : 115 ] . وإنما جاء الترتيب في التفضيل والخلافة مخالفا للقياس ، والمعقول توكيدا للنبوة وتأكيدا للرسالة ، لئلا تلتبس النبوة بالملك ولا ينحو النبي صلى الله عليه وسلم في الخلافة نحو الأكاسرة والأقاصرة في المملكة كما . كانت النبوة مخالفة للملك جاءت الخلافة على غير سيرة الملوك من استخلاف أبنائهم وأهل بيتهم ، ولو كان للمعقول والقياس مدخل في التفضيل لكان أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن ابنه ، لأنّ فيه النبوّة والعبّاس عمّه إذ فيه الأبوّة . وقد أجمعوا على خلاف ذلك وبمعنى هذا من إخراج الخلق من المألوف ورفع سكونهم عن المعهود ، أنّ أبا قحافة وأبا سفيان ماتا مؤمنين ، وأنّ أبا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمه ماتا كافرين . أجمع أهل النقل والتواريخ على ذلك . وقال أبو بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه لما أسلم أبوه بين يدي رسول الله عام فتح مكة : والله يا رسول الله لإسلام أبي طالب كان أحبّ إليّ لو أسلم من إسلام أبي ليقرّ الله به عينك . فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيضا . فلما سبق في علم الله تعالى أن يجعل هؤلاء الأربعة خلفاء النبوة بما قدّر الله من أعمارهم ، فلم يكن يتم ذلك إلَّا بترتيبهم على ما رتبوا في الخلافة . فكان آخرهم استخلافا هو آخرهم